ملتقى السماعلة
مرحبا بك بيننا زائرنا الكريم، تفضل بالانضمام الينا
http://smaala.forumactif.com/

ننهي إلى علم الجميع أن الإشهار خارج عن سيطرة الإدارة
اسالكم الله أن تدعوا بالنصر لأهلنا في غزة

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

حــوار مع أساتذة الفلسفــة يشأن " المقاربــة بالكفايـــات " . Philippe Meireiu

اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

مبشور

avatar
كبير مشرفي القسم التربوي
كبير مشرفي القسم التربوي
حـــوار مع أساتذة الفلسفة بشأن « المقاربة بالكفايات في التربية »

الكاتب : فيليب ميريو




سؤال : كأستاذ للفلسفة و مختص في البيداغوجية ، نريد منكم أن نسمع حديثا عن المقاربة بالكفايات . ترتبط هذه المقاربة و التقويم المرافق بتدريس الفلسفة ، ألا يعد الأمر متناقضا ؟ أليس القصد منه هو تعظيم رؤية أداتية و اختزاية للفلسفة ؟

ميريو : لقد أبديت دائما تحفظات قوية إزاء المقاربة بالكفايات ، على الرغم من انني كنت أعتبرها ضرورية من وجهة تاريخية . تحفظي هذا ينبع من رغبتي لكي اظل ، رغم انشغالي في صميم علوم التربية ، بقرب الفلسفة و أساتذتها ، و بحكم ماضي و حساسيتي . غير أن التحفظ لا يعني الرفض و لا بد من الاعتراف لهذه المقاربة ، التي غالبا ما انتقص من قيمتها ، و بحقها الضروري . بالفعل ، لقد امتلأ الخطاب البيداغوجي ، في أحد الأزمنة ، بالنوايا العامة و الكثيرة ( « لا بد من تحرير الطفل ، تنمية شخصيته » الخ ، غارقة هكذا في سيكولوجية روجيرية rogérienne الطفل النجيب الذي افرز في ذاك الزمان إحساسا بأن الموائد المستديرة و المناقشات التي تدور حول الصداقة بين الاولاد و البنات كانت كافية لأحداث الفلسفة . من هنا كان رد الفعل صحيا ، تاريخيا في فرنسا ) ، ربما كان ضعيفا في حده الادنى حتى رغم ذلك ، ردا كان يقول : كفى من الكلام الفارغ ! كفى من القول أننا نريد تقوية الشخصية و تنمية الطفل و تكوين الفكر النقدي . لأننا في هذا المقام كنا متفقين . إنما القصد كان هو ممارسات تقليدية مشحونة بالدلالة عبر نوع من السخونة المعجمية . حينذاك تم تدشين المقاربة بالكفايات في السبعينات و الثمانينات ، كمعاودة في التوجه نحو الممارسة الحقيقية . و كنت دائما أعتقد ، رغم التحفظ هذا، أن المقاربة بواسطة الاهداف و بالكفايات ستظل نافعة .

لكن لنتذكر جمعيا تلك العبارة الجميلة لسارتر في مقدمة كتابه « دراسة في نظرية الانفعال »: لا نحقق الفلسفة أبدا عبر تكديس الكفايات الفلسفية مثلما لا نعثر على الوحدة بترصيف العدد 9 على يمين العدد 0,99 . فالموقف مختلف ، كانت المقاربة بالكفايات على الرغم من ذلك و لا تزال وسيلة للتكوين و يمكنها البقاء قوية كذلك .

سأقدم طوعا مثالا بخصوص المقاربة بالكفايات يمثل حضورا : اشتغلنا مع أساتذة الفلسفة حول تمرين تحرير المقال الفلسفي و انصب تفكيرنا جماعة حول التفريق بين المثال و الحجة . بالفعل ، كونك تلاحظ معظم تلاميذ السنة النهائية ، عندنا ، يخلطون بين المثال و الحجة ( معتقدين أن المثال يساوي الحجة ) من الممكن أن يشتد الامر و يتم تعيين كهدف تدريس المقالة بين المثال و الحجة . المثال ليس هو الحجة. لا يغذو المثال حجة إلا إذا تحول إلى مصدر منسوب لنظام تفسيري يمنحه معقوليته الشاملة و لا يبقى ابدا مجرد حدث بسيط منعزل و وحيد . في مكان آخر و دوما بصحبة أساتذة الفلسفة و الطلبة الجامعيين في الفلسفة ، درسنا ايضا الطريقة التي بموجبها يقدر التلاميذ على معايرة ما يؤسس حجاجهم الشخصي أثناء كتاباتهم ، و مرجعياتهم في الأدباء و المؤلفين و الامثلة المقدمة . متخذين منهجا إجرائيا اكثر سهولة ، سطرنا بثلاثة ألوان مختلفة على العناصر الحجاجية الموجودة في النصوص ، و على الامثلة و المصادر . و تساءلنا : كيف يمكن لهذه العناصر أن تتوافق فيما بينها لدى الكاتب ؟ كيف يمكن لنا تعيينها و معايرتها بشكل صحيح و سليم ؟ و هذا له أهمية بالغة و السبب هو ان بداخل الكتابة الفلسفية عنصر واحد فقط من هذه العناصر يكون حاضرا ، مثلا العنصر الحجاجي ، بدون ان نعطي مثالا و لا مرجعية ، فإن الواجب يفقد توازنه . نفس الشيء كذلك إذا لم يكن هنالك سوى امثلة بدون مقدمات حجاجية ، و هكذا ذواليك .

لذلك فالمقاربة بالكفايات هي نافعة جدا . فهي لا تسرف في الذكاء لمجرد التفلسف ، تساعد عكس ذلك في إبداع الموارد و الادوات و ظروف الفعل الفلسفي في القسم . إننا نتواجد هنا في ميدان الوسائل . لا أود دفع هذه المقارنة إلى أبعد حد ، سوف لن أتردد في القول أن الكفايات هي أيضا ضرورية و ملزمة في قسم الفلسفة كضرورة الطاولات و الكراسي . الانتقال إلى فعل الكتابة لا يختزل في أن نمتلك طاولة ، و كرسيا ، و قلما . يمكنني أن أتوفر على طاولة ، كرسي و قلم و لا يكون لهذا الانتقال لفعل الكتابة امرا عجائبيا . نفس الشيء ، امتلاك مجموعة كاملة من الكفايات ( بدعوى التفريق بين الامثلة و الحجج ، معارف في مادة الفلسفة ، مجموعة من المهارات المتعلقة بمادة المقالة) ، لا يضمن الانتقال إلى التفلسف . ربما يمكنني إنتاج وثيقة مقبولة على المستوى الأكاديمي . لكن فعل التفلسف يبدو لي منفلتا من جميع الشروط المسوغة له . طبعا من المؤكد أنها تعد شروط التفلسف ، غير أن هذه الشروط غير كافية . من اجل الكتابة ، لا بد من التوفر على ورقة ، قلم و طاولة ، لكن هذه الورقة ، و هذا القلم و هذه الطاولة لا يحدثون بالضرورة تركيب قصيدة من قيمة مماثلة لقصائد رامبو . لا تختزل الطاقة البانية في الشروط البسيطة . يبدو لي اننا خلطنا كثيرا الشروط المواتية للتمرن على الفلسفة و التمرن ذاته للفلسفة ، الذي يشكل فضلا عن ذلك غير التكديس البسيط لهذه الشروط .

أظن أنه يوجد في الامر ما أسميه الاسطورة التكنولوجية للتربية ، بمعنى انه في عمق الفكرة ، ترتكز التربية على تكديس و تجميع التقنيات . إنها أسطورة متخلفة في تاريخ الفكر المعاصر . لنأخذ نصا يبدو لي نصا فلسفيا شيقا ، من اجل التوضيح ، بالرغم من انه لم يعتبر كذلك : فرانكشتين لماري شيلي . كانت ماري شيلي بنت احد كبار المثقفين الانكليز : كتبت أمها اول وثيقة لحقوق المرأة و أبوها كاتب لأعظم نص حول تأميم الممتلكات في بريطانيا . في احدى الليالي ، و عمرها لم يتجاوز أنذاك السابعة عشر و النصف ، هربت الشابة ماري مع الشاعر شيلي . بعد سفر اوصلهما إلى اوروبا تقريبا ، توقف الزوجان قرب بحيرة جينيف . التحق بهما مثقفون ، يوجد من بينهم بيرون . في مساء ليلة خريفية باردة ، قررت المجموعة الاعلان عن مباراة : من التي او الذي سيكتب القصة الأكثر إثارة و رعبا . وحدها ماري شيلي هي التي قررت تنفيذ الوعد و في صباح الغد أو بعده ، قدمت روايتها ، فرانكشتين ، الذي ظهر في السنة القادمة ، حاملا اسمها ( لكن البريطانيين كلهم اعتقدوا أن الكاتب هو زوجها الشاعر .. )
يحمل فرانكشتين لماري شيلي الاشارة القوية التي تؤسس التكنوقراطية العصرية ، أي اننا نستطيع بناء جسم من قطع لحمية أو ، في الحالة التي نحن بصددها ، تلميذ من معارف ، او فيلسوف من كفايات . أجد نفسي أشتغل كثيرا بجمع أساطير التربية كأنها فبركة ، اساطير نحصل بمقتضاها على أشخاص من جراء تجميع أشتات القطع ! إن البيداغوجية بواسطة الأهداف و البيداعوجية بالكفايات لا تبدو لي سوى البديل الاخر من بين عدة بدائل اخرى .

إن قصة فرانكشتين ليست قصة وحيدة : من الممكن إن نعثر في الماضي على بعض مثيلاتها : اسطورة البيكماليون لـ روسو ( كتبت أربع سنوات بعد إيمل ، و تشكل نقطة مثيرة في التطابق ) ، و بيكماليون لـ برنار شو ، و الجوليم في التقاليد العبرانية ، و الانسان الآلي لـ فوكونسون . و في الحاضر ، يوجد التيرميناتور و الربوكوب ، و الميتروبوليس لـ فريتز لانج . في فرانكشتين لماري شيلي ، إضافة إلى ذلك ، ليس فرانكشتين وحشا ، إنه طبيب و هذا الطبيب هو الذي صنع الوحش . صنعه بعدما نفخ فيه الحياة و سرت في اطرافه المتواربة في تراب مقبرة و أيضا ، عندما اصابه الكبر ، تخلى عنه وتركه يواجه مصيره . ساعتها سوف تخضع شخصية هذا المخلوق لجملة من السيروات من التعلمات . بما ان ماري شيلي قريبة من فلسفة عصرها ، استعادت بفضل هذه الفلسفة نظرية لوك Loke لتصف هذه التعلمات . بالفعل ، إن الطريقة التي سيكتشف بفضلها المخلوق العالم هي تماما نفس الخطوات المستعملة في كتاب عن العقل الانساني .

تعلم الوحش الكلام في البداية ، ثم القراءة و الكتابة انطلاقا من " حياة الناس " الكتاب المشهور لـ بلوتراك ، و " الفردوس المفقود " لـ ميلتون . طيب القلب ، ( أنه الوحش الظريف لـ روسو ، فنحن نتواجد في زمن أساطير القرن 18 الميلادي ) ، يقدم هذا المخلوق أعمالا جليلة و خدمات كثيرة للناس : من قطع جميع أشجار الغابة ، و من زرع ، وقطف للكرنب و الطماطم . ثم في يوم من الايام ، هذا الوحش المشوه لكن ذو النفس الطيبة ، وجد نفسه في مواجهة أناس آخرين .. يتشابهون فيما بينهم . كان رد الفعل سلبيا في أول الامر . لقد قوبل بالرفض و أهين في كرامته و لم ينفعل مخافة الأذى و إلحاق الضرر . تحركت الآلة عندما عثر الوحش على طفلة صغيرة في النهر ، أنقد هذه الفتاة الصغيرة التي اوشكت على الغرق و عندما حملها بين احضانه ، تلقى رصاصة من بندقية . لأن الجمهور اعتقد في أنه يريد دبح او قتل الطفلة . حينذاك ، بدأت الآلة المتفجرة ، حسب عبارة كوكتو ، تتحرك و اصبح المخلوق شريرا . للخروج من عزلته ، طالب من صانعه بأن يجعل له امرأة ، و امام رفض الطبيب فيكتور فرانكشتين ، فكر الوحش في الانتقام .

أليست هذه الوضعية المتصلة بالفبركة هي الصورة المماثلة و المعبرة عن ضد التوجه و المسار التربوي ؟ يصنع فرانكشتين شخصا ، ثم يتخلى عنه . إن التربية في واقع الامر ، في رأيي ، هو التأكيد تماما أن ، أولا ، الأبوة ليست هي السببية ، كما قال ليفيناص ، ثم ثانيا ، كما صرحت بذلك حنا أراندت في " ظرفية الانسان " المعاصر ، من الواجب على التربية أن تقحم الشخص في العالم . نقدم الطفل للعالم و نقول للطفل : « هيا خذ ، ها هو العالم . خذ أيها العالم ، ها هو الطفل الذي أقدمه لك » . مثال آخر آت هذه المرة من السينما :« الفيل – الانسان » نشاهد في هذا الفيلم إنسانا مشوها بإمكانه ، في حالة وجود وسيط ، أن يقدم للعالم و يندمج فيه . و سبب ذلك هو وجود التربية . في فرانكشتين ، لا توجد هناك تربية ، انعدام الوسيط الذي من شأنها تقديم المخلوق للعالم و نقدم العالم لهذا المخلوق .

أعتقد أن التربية هو القبول بأن الأبوة ليست السببية ، و اننا لسنا أبدا الفاعلين الحقيقيين لهؤلاء الاسلاف الذين انحدرنا منهم . الاعتراف بهذا الامر يعني التأكيد ذاته على أسبقية الذات على الموضوع ، و هو القبول بأن كل ذات لن تصير ذاتا بالمعنى الحقيقي إلا إذا انخرطت في دينامية نقحمها في العالم ، أي عموديا يجيز لها هذا العالم بفضل الوارثة و توريث الاجيال تحمل إمكانية التعايش بشكل مختلف بدل فكرة العود الابدي ، عود أبدي لا يطاق ( هنا ايضا أعود لحنا آراندت في ظرفية الانسان المعاصر ) . لكننا نجد دائما ، لاعادة الكلام بعبارة أخرى ، الغواية و الاغراء عند المدرس في إطباق البراعة ( السياسة ) على الفبركة . و في بعض المناحي ، فإن فرانكشتين هو الشك و الريبة أساسا . فمخلوق الدكتور فرانكشتين هو شخصية كونية بالتمام ، و أن هذه الاسطورة هي أسطورة التربية .

لكن ألا يعد الأمر أيضا بداية في مغامرة متفجرة ؟ لأننا لا نقدر على سوى ما انتهت به الرواية : السباق – بلا حد في اتجاه الانعزال و العزلة الباردة ، إلى درجة الموت ، فنحن نتواجد تماما في جدلية مستحيلة . لا أريد هنا تذكيركم بجدلية السيد و العبد لـ هيجل و تحليلا ، على وجه الدقة ، ما قام به كوجيف ، في مقدمة كتابه « قراءة في هيجل » . إنكم تدركون جيدا الظاهراتية للعقل phénoménologie . يصبح السيد عبدا لأن العبد يقوم بعمل ما بجوار الطبيعة التي تجعله قادرا على تجاوز السيد . غير ان في العمق ، يقول كوجيف ، و القصد هنا هو قضية تربوية قوية جدا ، التحكم هو ردب وجودي لأن السيد يريد سرقة اعتراف العبد به ، لكن اعتراف العبد لا يساوي أية قيمة و السبب فقط لاجل ذلك أنه عبد . يريد السيد إذًا اعترافا حرا من طرف شخص مجبر على تقديم الامتنان و العرفان : مما يعني أن الباب مقفل على الاطلاق ، باب لكل شخص راغب بأن يُعترٓف به من طرف شخص آخر يحكم قبضته . لا أستطيع التحكم في الآخر و أرغب الحصول على اعتراف منه لي لأن اعترافه لا يحمل أية حقيقة او قيمة في حالة ما إذا كنت انا الذي أتحكم في رقبته . لن يصير اعترافه وقتئذ سوى رد الفعل ، تبادل في التحكم الذي امارسه عليه . وفي المقدمة لقراءة هيجل ، لكوجيف ، هناك صفحات رائعة جدا تتناول التأويل التربوي لجدلية السيد و العبد . نشعر بقوة أن كل هذه الامور موجودة لدى كل مربي ، آباء و مدرسين . أريد أن يعترف الآخر بي . و هو كذلك شريطة أن يكون الآخر حرا ليحصل هذا الاعتراف . لأنه لو ظل تحت سيطرتي ، فاعترافه لا يساوي شيئا . إذن أريد في الآن نفسه أن يبقى الآخر مرتبطا بي لأنني مازلت اطمع في البقاء سيدا ، و أيضا أريد أن يعترف بي كند وكمساواة ، أي لا أصبح سيده . فأنا اوجد ، من خلال هذا الفعل ، في ردب . ليس بمقدوري سوى طرد فكرة التربية كفبركة لأنها تؤكد ، في رأيي ، طريقا بلا مخرج . و في الأخير ، فإني لا أتهم التكنولوجية بواسطة الكفايات ، او التكنولوجية للمعلوماتية أيضا ، و لا أدري ماذا أيضا . إننا نمتلك في هذا الميدان ادوات مهمة جدا و لدينا ظروفا بحيث اننا نخلط كثيرا في اغلب الاحيان بين هذه الادوات و الأفعال . و الحالة هذه ، فمجموع الظروف ينتج عنها الفعل تماما في عالم الفزياء . لكن الامر غير وارد في عالم الانسان .

فعلا ، في عالم الانسان ، لن أستطيع خلق كل الشروط و الظروف المواتية ، لن ير الفعل Acte النور و يتحقق إلا عن طريق ملاقاة شخص بشخص آخر ، و أن رغبتي و فرحتي تكشف أمرا ما تجعل من الآخر يبتغي مقاسمة هذه الرغبة و الفرحة . إذا غابت هذه الفرحة la joie حيث يتم من خلالها اقتسام المكشافة ، و إذا لم يكن الخطاب البيداغوجي اولا و اخيرا هو هذه القدرة التي نمتلكها لإفهام و نشر الفرحة على اننا لسنا عبيدا للكلمات بل أسيادا لها ، ان نكون قادرين على قراءة عدد من الأشياء في العالم ( بما فيه العبث ، لماذا لا ، لو كنت متواجدا في فلسفة العبث l'absurde ) ، ما دمت لم أقم ابدا بملاقاة الآخرين و معي هذه الفرحة ، ما دام التعليم الفلسفي لم يتحول إلى فرحة بالمعنى الصحيح ، بمعنى نيتشيزي تقريبا ، اعتقد أنه سوف يجانب الصواب . انا لست نيتشيزيا و اجد افكار نيتشه Nietechz فقيرة جدا في التربية . و مع ذلك ، فإن بعض نصوصه تلقي الضوء على فكرة رائعة : إذا لم تجهد نفسك للعمل كفرحة ، كإنسان سعيد فيما انت قائم به ، الأمل في التحدث عن أي شيء و ما أنت راغب فيه فهذا عمل باطل . مادامت نشوة الفكر لم تحصل ، مادام التلميذ لم ير امامه أن المعلم يتلذذ بذكاء العالم من خلال فكره الخاص به ، و أنه يعيد اكتشاف ذكاء الأشياء بواسطة فكره ، فإني اعتقد ان لا وجود لأي حظ بأن تصير الفلسفة شيئا ما ما عدا تمارين أكاديمية ضرورية للحصول على قطعة من الورق التي تسمح بدورها الحصول على قطع ورقية كثيرة عندما نصبح كبارا .

التربية كفبركة هو طريق مغلق ، هذا هو قولنا . إن ما يميز الاسطورة Mythe ، حسب ميرسيا إلياد و ليفي شتراوس ، على ما اعتقد ، هو التعبير و الحل ، على المستوى الرمزي ، لتناقض غير قابل للذوبان في تركيبة الواقع . و للمزيد من التوضيح في هذا الباب او النفق المسدود ، نقول إن قضية فرانكشتينن هي اسطورة . و لهذا السبب فهي لن تزول . في التربية ، التناقض لا يذوب : نريد من تلامذتنا أن يصبحوا في نفس الوقت أحسن و افضل التلاميذ ، يقومون بواجباتهم احسن قيام ، لكن أيضا نتمنى منهم الانفلات من قبضتنا ، أن لا يستخرجوا منا صورا طبق الأصل . لعل هذا الاستنساخ البسيط ، من قبل تلامذتنا ، لما نحن فيه سيكون مآله الفشل الكبير . فنحن في قلب التناقض . و ما أقدمت عليه ماري شيلي مع فرانكشتين هو الفضح و من ثمة الاعلان الواضح لما سيؤول إليه الاطباق الكلي للبراعة السياسية على الفبركة . الفبركة la poiésis ، إذا ما تذكرت جيدا نص ارسطو ، تعني حينما يحصل في ذهني ، قبل بداية عملي ، التصور الدقيق لما سيكون عليه الامر في النهاية . و النهاية كهدف هي ذات النهاية كإنجاز . عندما أصنع كأسا أو إناء ، فأنا املك تصورا قبليا للكأس و للإناء و هذا التصور هو الهدف . و عندما يصنع الكأس ، أكون بهذا قد حققت هدفي و أنهيت عملي . في حين أن البراعة la praxis ، عند ارسطو ، مفسرة عن طريق استعارة الرؤية ( النظر ) ، فهي تعني الفعل من حيث لا يحمل في رحمه ما سيكون صورة لإنجازه . النظر ليس هو التحديد المسبق لما سوف نلاحظه بالعين المجردة . فهو فعلا بلا هدف او عدم النظر تماما . بالمقابل ، أعتقد ان التربية تنتمي يقينا إلى هذا النوع . التربية غير قادرة على تحمل التصور الكامل و الشامل لإنجازاتها . الوعي و النظر الاكملان و الأتمان للإنجاز استوجبا سلفا المعرفة الدائمة و المستمرة لما سيؤول إليه الآخر . لكننا سوف نحصل إذ ذاك على فبركة .

الموقف الذي تتضمن التربية بمقتضاه في آن واحد على جزء من الفبركة la poiésis ( التي يسميها كانط بالتربية السلبية ) و على جزء من النظر ( العقل ) la praxis التي يسميها كانط بالتربية الايجابية ) هو موقف شرعي . إنما الأمر الذي يبدو مقلقا و خطيرا ، ليس هو الموقف الكانطي ( على الرغم من أني اجد نصوص كانط ضعيفة في التربية و مخيبة الآمال – أفضل إعادة اكتشاف قراءة كانط لـ " نقد العقل الخالص " عوض كتاباته البيداغوجية ) لكن هو الترويض le dressage القائم و الموجود في هذا المقام ، أي في التربية السلبية . بكل وضوح يقول كانط أن الاطفال لا يذهبون إلى المدرسة قبل أي شيء آخر لغرض الفهم و تعلم بعض الاشياء ، بل ليقضوا سبع ساعات في اليوم جالسين على كرسي ، و سبب ذلك هو ضرورة ترويض الجانب الحيواني الكائن بجسم الانسان . حتى يكون بمقدور العقل ملاقاة عقل آخر راغب بدوره في المخاطرة بنفسه . ذلك هو جانب النظر . لم يقف كانط عند هذا الحد بل دل على أن الترويض امر لا مفر منه ، من اجل تفتق الوعي ونموه . كاد يحصل لديه حلا للتناقض من خلال ربط التربية السلبية بالتربية الايجابية . و رغم ان الامر لا حياء فيه ، فأنا لست مقتنعا بالنصوص الكانطية في التربية .

بطبيعة الحال ، لا يمكن تجاهل الفبركة او الصنعة . فكل تربية هي بشكل من الأشكال تدجين domestication . حينما استقبل أحد الضيوف في بيتي ، يجب علي تعلم بعض القواعد و العادات ( متى يستيقظ الضيف ، في أي وقت ينتابه النوم ، ماذا ساقدم له من طعام ) . لكن هذا التدجين لا يشمل التربية بأكملها . من الضروري على الفبركة ان تحدث من الداخل عن طريق النظر / العقل la praxis . أرفض رفضا باتا التصور لما سيؤول إليه الآخر . لأن التصور المسبق فيما يتعلق بحالة الآخر و الرغبة الاكيدة في فبركته و تصنيعه على احسن وجه إنما يعني الاطباق الكلي و التام للسياسة على الانتاجية .




التقنية او التقنيات . ما وراء المقال . أو البديل لتعددية الأنماط الفلسفية ...

السؤال : بصفتك مربي ، ألسنا محكومين بالتصرف فقط في ظل حيثيات الانعتاق و التحرر ، الخلاصة : نتصرف " كأنما " التربية هي فبركة مع العلم أنها ليست كذلك ؟ أين يتحدد دورنا ؟ ألم يكن إذ ذاك تصرفا فقط في الظروف ؟ كيف يتم تقييم شيء آخر و الحالة هذه إلا في هذه الظروف ؟

ميريو : أعتقد أننا ما انتهينا من التصرف l'agir في الظروف . إنما التصريح بأننا لا نستطيع التصرف في الظروف ، يفهم من هذا أننا لا نستطيع التصرف إلا في الظروف ، فالقضية ليست تحت حكم القدرية ، و لا هي أيضا انهزامية قليلا . بل هو الاعتراف فحسب أننا ما جمعنا شروط الظروف و الأجواء المناسبة بما فيه الكفاية . على الرغم من ان الظروف يعاد ترتيبها و بناؤها بصورة دائمة و مستمرة ، فحصيلة هذه الظروف رغم ذلك لا تنتج قرارا .

لو عدنا إلى التقويم ، و تفحصنا المقال ، نص يتكون من 750 كلمة ، فإن الخطر حسب ما أعتقد هو الانغلاق و حبس الانفاس بداخل تمرين نجتهد أثناءه ، بشكل صوراني ، من اجل ان نحقق 100% من التفوق و النجاح بمعايير شكلانية ، متناسين أننا لا نستهدف غير الشكلانية و ان المهم و الباقي هو ما لا نقدر على تقويمه أبدا . إن التقنيات المتحكمة لا تكفي أبدا . و دورنا كمربين هو التصرف رغم ذلك في مثل هذه الظروف هنا و الآن . لا يمكن أن نفعل سوى هذا الأمر . خذ مثلا لو عرضنا سلم الانغام على شاب موسيقي و حيث أنه لم يسبق ان استخدم سلم الانغام فهو لن يصير موسيقيا بامتياز ؛ لو قدمت أكلة لطباخ ما تعلم الطبخ أبدا ، و هكذا .. و عندما تقول أن طباخا ماهرا ، و موسيقيا لا يمكن اختزالهما بأي شكل من الأشكال في التقنيات التي درسوها ، فإنني أوافق . فلا يمكن أن نفعل مع ذلك سوى هذا الشيء ، أي تعلم و اكتساب التقنيات . و عندما ننجح ، يمكن للتلميذ حينذاك الانفلات من قبضتنا .

كبيداغوجي ، أريد أن اشير إلى قضية اخرى : اختزال الفلسفة في بنية تقنية واحدة و موحدة . ألم يبين تاريخ الفلسفة أنها لم تكن قط تحريرا للمقالات على وجه الحصر ؟ يبدو لي أن التركيز على بعض انواع التقنيات ( هنا المقالة ) سيعرض الدمج التافه للشكلنة المدرسية من قبل التلاميذ إلى تشوه في عملية انخراط حقيقي في السلوك البناء المفعم بالفعالية . هناك تلاميذ يستطيعون كتابة أحسن المقالات الفلسفية ، تتطابق مع جميع التيبوديات و المعايير التي يمكن جمعها ، و حيث من المرجح أن لا نعثر و لا على بوصة واحدة من الفلسفة ، أي بمعنى ، خالية من الفكر الحر و الفكر النقدي . لقد طورت المدرسة عند هؤلاء التلاميذ قدرا من التخمين و الحظ : في أغلب الحالات ، لا يقضي التلميذ كل الوقت في استعياب و تفهم ما طلبناه و ألححنا عليه ، لكن هو تأويل منتظرات المدرس و التطابق معها ؛ لا ليقول مع نفسه : « ما هو العمل المفروض علي فهمه » ، لكن « ما العمل لكي أظفر باحسن نقطة » . أصبحت المدرسة عالما مصطنعا جدا . المدرسة هي المكان الوحيد ، و كذا ألعاب التلفزيون ، حيث أن هؤلاء الذين يتقنون الاجوبة هم الذين يطرحون الأسئلة ، هذا شيء مصطنع بالكامل و غبي تماما حينما نفكر في حقيقته . لو سألت عن طريقي بعد لحظة فهذا ليس معناه اختبار معرفة سكان كيبيك عن الجغرافية . لكن لكي اعرف وجهتي . حينما نطرح السؤال على تلميذ ، فالذي بيده السؤال هو من يمتلك الجواب و من يمتلك الجواب يدرك جيدا أنه لا يجب عليه طرحه حرفيا لأن لو فعل ذلك ستذهب مشروعية مقدم السؤال الموجه للغير .


إضافة إلى ذلك ، فليكن تأكيدنا على اهمية النصوص المؤسسة ، مع هذه النصوص ، و الحوار الذي نقيمه إزاءها ، سوف نحصل على كثير من التقنيات ، الكثر من الشكلانية الميتودولوجية التي تنفصل عن هذه النصوص . فأنا لا اومن من جهتي بدروس الميتودولوجية . لا اعتقد انه بإمكان التعلم لكي نتعلم بتعلم لا شيء . لا يُتعلم الضبط الميتودولوجي في دروس الضبط الميتودولوجي ، بل في فهم و تقشير نصوص ديكارت و سبينوزا.




فيما يخص المراجع

سؤال : المقابلة التي اجريت بعد الظهيرة تمخض عنها نقاش جد مهم فيما يخص الاهمية و المشروعية و الاخطار الناجمة عن استعمال المراجع في تدريس الفلسفة . في بضع سنين ، في كيبيك ، لم تكن قضية المراجع مطروحة ، نظرا لقلة هذه المادة النفيسة . لكن اليوم أصحاب المراجع يقترحون علينا اختيارا أوسع و أشمل ، لا بد التفكير فيه . هل تعتقدون في اهمية المراجع ، او نقول فقط أنها مرغوبة في تدريس الفلسفة ؟

ميريو : لم يسبق لي أن استعملت مرجعا قط و لا ارغب في استعماله . لكن ، من الممكن أن مع بعض التلاميذ ، في بعض الأقسام و المناخ العام الموجود بإعداديتكم ، فإن المراجع قد تكون ذات اهيمة بالغة . انا شخصيا ، دائما أعتبر المراجع كطريقة في إفقار النصوص . هذا ما صرحت به ، بعض النصوص الكاملة و الطويلة . غير أن الأمر لا يصح بالنسبة للجميع . نعم صحيح أن هيجل شاق و ينفر منه التلاميذ ، صحيح أن هايدغر يحمل جزءا من الغموض .. بالنسبة لي ، في انسجام و توافق مع دريدا ، اعتقد ان الحدود الفاصلة بين ما هو أدبي و ما هو فلسفي هي حدود ثقافية و ليست حدود ايبستيمولوجية . هل نحسب إيميل من الفلسفة ام من الأدب ؟ و أفكار بسكال ؟ هذه النصوص الفلسفية الطويلة و المعقدة صحبة التلاميذ تطرح صعوبة أكيدة ، يمكن ولوج الفلسفة عن طريق نصوص تتصل بشكل تقليدي مع الصنف الأدبي ، لكن بمضامين ممتازة .



سؤال : التقويم : هل كل تقويم يعني مجرد خدعة ؟ هل التقويم الصحيح في الفلسفة امر ممكن ؟

ميريو : التقويم الصحيح ممكن لكنه صعب . كأستاذ أدرس في الجامعة ، تراني في كل مرة و أنا مجبر على إتخاذ حكم حول مذكرة او حتى على أطروحة ، اطرح هذا السؤال . فالسبيل الوحيد من أجل أن تكون منصفا و عادلا يكمن في تسليح نفسك بقواعد و جعلها متعارفة من لدن الجميع . لا يجب التعامل مع التقويم باستخفاف و برودة دم . لقد سميت هذا بعض قليل بالوقاية المهنية . إن الوقاية شيء عظيم لكنها لا تعني الحياة كلها . للوقاية مهمة إبعاد بعض الأشياء عنا و اجتناب مشاكل و أعراض التواطؤ و الاغراء . إنكم تعرفون كمثلي لو قلنا للمدرسين أن تلميذ ما يعتبر أحسن التلاميذ ، فسوف يمنحونه نقطا ممتازة . تعرفون كل هذه الأمور، أعمال الديسيمولوجية شرحتها لنا. إن وضع القواعد الاساسية عمل له أهميته البالغة . فعلا ، كرجل تقويم ، أوضح قواعدي . اعتبر من الضروري التوفر في الورقة على المحاجة ، و تقديم الامثلة ، و الاحالة إلى المراجع . في حالة عدم ثبوت أي شيء من هذا القبيل ، فإن الورقة تفقد توازنها ، سواء كان ذلك حوارا أم رسالة ، مقالا أم استدلال على منوال سبينوزا . أريد أن أجد هذه الاشياء الثلاث . كونك تنسج خطابا حجاجيا ، من شأنه استخدام الروابط المنطقية ، و كونك قادر على أن تستدل تماشيا و تجربة حياتك وفقا لمبادئك و تستطيع التزود و الارتكاز على الثقافة .

بطبيعة الحال كل تقويم يجب أن يكون دقيقا و مضبوطا اكثر و متسما بالانصاف قدر الامكان ، لكن لا بد أن ننظر إليه كأمر تقريبي . ما نبحث عنه في الحقيقة ، ما سيظل في رأس التلميذ ، لا أحد يراه و يبقى مجهولا . فأنتم لم تحافظوا على مقالاتكم الفلسفية التي كانت بحوزتكم أثناء القسم ، لقد تشربتم ببعض الأمور . و لهذا السبب من المهم ، كما تمت الاشارة إليه ، أن نكف عن الخلط بين الهدف و المهمة المنجزة . فالمقالات الفلسفية هي مهام des tâches . مهام بحيث تجيز الاستدلال على وجود بعض الكفايات بطريقة عشوائية و افتراضية .




















الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى